الراغب الأصفهاني

388

الذريعة إلى مكارم الشريعة

في شأن الناض المتعامل به وبيان حكمة اللّه تعالى فيه اعلم أن الناض أحد أسباب ما به قوام الحياة الدنيوية ، ومتى توهمناه مرتفعا تعسر على الناس تزجية معاشهم ، وقد تقدم أن الناس يحتاج بعضهم إلى بعض ، ولا يمكنهم التعايش ما لم يتظاهروا ويتولى كل واحد منهم عملا يصير به معينا للآخر مواسيا له ، ولما كان كل من واسى غيره فمن حقه أن يقابل بقدر مواساته لكن ربما لم يحصل عند صاحبه ما يريده هو « 1 » فقيض اللّه تعالى لهم هذا الناض علامة منه جل ثناؤه ليدفعه الإنسان إلى من يوليه نفعا فيحمله إلى من عنده مبتغاه فيأخذ منه قدر عمله ، ثم جاء ذلك الآخر إلى الأول بتلك العلامة أو بمثلها وطلب منه مبتغى هو عنده دفعه إليه لينتظم أمرهم بذلك ، ولذلك قيل الدرهم حاكم صامت ، وعدل ساكت ، وحكم من اللّه تعالى نافذ ، وقد قيل لهذا المعنى سمي في لغة الفرس الدينار ( دين أورد ) أي الدين أتى به والدين فارسية معربة ، ولما كان ذلك حاكما عظم اللّه تعالى وعيد من احتبسه ومنع الناس من التعامل به فقال تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ « 2 » الآيتين ، وذلك أنه يصير باحتباسه إياهما كمن احتبس حاكمين للناس بهما تتمشى أمور معاشهم ، ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم » « 3 » لأن اتخاذه الذهب والفضة آنية يؤدي إلى منع الناس عن تصريفه في معاملاتهم وتضيقه عليهم مكاسبهم .

--> ( 1 ) « لكن ربما لا يحضر عند صاحبه ما يريده هو » سقطت من ط . ( 2 ) التوبة / 34 ، 35 . ( 3 ) لفظ البخاري « الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم » مع ملاحظة أن للبخاري حديثا آخر « لا تشربوا في آنية الذهب والفضة » لكن بدون الزيادة المذكورة البخاري / الأسرية 28 حديث رقم / 5633 - فتح الباري / 10 / 96 .